أحمد بن محمد ابن عربشاه
253
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
باب ، ورفع بفاحش الكلام الصوت وقال ما بعد الموت موت . فسأل الملك أحد الوزراء ما ذا يقول من الافتراء هذا الظالم المجترئ الباغي المفترى ؟ فقال : يدعو بدوام البقاء ، ورفعة مولانا الملك والارتقاء ، ويقول : ما أحسن العفو عند المقدرة واللطف والكرم أيام الميسرة ، وإن لم يكن ثم مجال للمعذرة ولو جعل العفو شكر المقدرة لكان أولى وأعلى مقاما في مكارم الشيم وأحلى كما قيل : ما أحسن العفو من القادر * لا سيما لغير ذي ناصر ويترحم على أسلاف مولانا السلطان ؛ الذين كان شيمتهم العفو عن ذوى العصيان ، وكان ذلك منتهى لذتهم وغاية أمنيتهم ، وما أجدر مولانا الملك أن يحيى مكارم سلفه ويجعل العفو كلمة باقية في خلفه ، ولا زال يقول من هذا المقول حتى لان له القلب القاسى ورق له قلب الملك الجاسى « 1 » ، فأمر بإطلاقه ومنّ عليه بإعتاقه وكان أحد الوزراء وأركان الأمراء شخص يعاكس هذا الوزير ويناقضه فيما يراه ويشير ، وبينهما مرت أسباب عداوة أحلى في مذاق طبعهما من الشهد والحلاوة ، كل مترصد للآخر زلة متوقع لإيقاعه في شبكة البلاء غفلة ، فحين رأى شقة الحال نسجت على هذا المنوال وجد فرصة للمقال فتقدم وقال : ما أحسن الصدق وأيمن كلام الحق ؛ خصوصا في حضرة المخدوم وهذا أمر معلوم ، عدو مبين وحسود مهين لم يترك من أنواع العداوة شيئا إلا تعاطاه ، ولا من الإفساد والشر صنفا إلا هيأه ، قد أهلك الحرث والنسل وبدل جنتي الصلاح من الفساد بخمط « 2 » وأثل « 3 » إلى أن أمكن الله تعالى منه ، وحان تفريغ الخواطر الشريفة عنه . ثم إنه في
--> ( 1 ) القلب القاسى . ( 2 ) الخمط هو شجر الأراك وهو شجر في طعمه مرارة . ( 3 ) الإثل : نوع من الشجر يشبه شجرة الطرفاء خشبه صلب تصنع منه القصاع والجفان .